الميتاترسل بين ماتريوشكا القص بالمتن وبابوشكا الحاشية

كتب/ا.احمد حاجي

تونس

                                                                     الميتاترسل
بين ماتريوشكا القص بالمتن وبابوشكا الحاشية برواية «غاليةاو الرجل الذي سكن البرج مع ماتريوشكا»
للكاتبة التونسيّة هند الزيادي
بقلم /ا.حمد حاجي
قبل الولوج إلى فضاء رواية “الرجل الذي سكن البرج مع ماتريوشكا “.. تعترضنا بالقراءة لفظتان”ماتريوشكا” و “بابوشكا” الواردتين بمقاربتنا للرواية.. لابد من التعرض لهما.. الاولى ونزعم انها تتعلق بسرد الحكاية الاصل اما لفظ بابوشكا نجده مدخلا لخوض غمار الغموض الاجناسي هل نحن بالهامش مع ادب الترسل ام ادب الاعتراف ام مع المذكرات و اليوميات..؟
ا========= بدءا بالمفاتيح
ا======= ماتريوشكا
ا========= هي دُمية روسيّة تحوي في داخلها عدّة دمًى أخرى بأحجام متناقصة بحيث تحوي الدمية الأكبر دمية أصغر والدمية الأصغر تحتوي دمية أصغر وهكذا أخرى وأخرى.. وعادة تلك الدمية تمثِّل المرأة الروسيّة الريفيّة بلباسها التقليديّ “سارافان” “Sarafan”، وغالبًا ما يُغطّى رأسُها باللون الأحمر، وتتنوّع أشكالُها. وقد صُنعت الدمية لأوّل مرّة عام 1890 على يد فازيلي زفيوز دوشكين، وعُرضت لأوّل مرّة عام 1900 في معرض باريس العالميّ.
ا=========== بابوشكا
ا=========== أمّا بابوشكا فهو اسمٌ مستعار لامرأةٍ مجهولةِ الهُويّة كانت ترتدي معطفًا بُنّيًّا وتلفّ وشاحًا على رأسها، مثل الوشاح الذي ترتديه السيّداتُ الروسيّات الكبيرات في السنّ اللاتي يسْكُنَّ في القرى الروسيّة، وهي ترمز إلى الغموض. خاصة وأنها عرفت بتلك المراة الغامضة التي يقال أنها كانت حاضرة بأحداث اغتيال الرئيس جون كيندي في دالاس ديلي بلازا عام 1963، ثمّ رحلت واختفت دون أن تستجيب لنداء مكتب التحقيقات الفيدراليّ وتزويدِهم بالصور، وظلّت مجهولةً الصوّرة الى اليوم.
ا=============== لماذا رواية “غالية” بين ماتريوشكا وبابوشكا؟! حتى نجيب عن هذا السؤال لابد ان نعطي اولا لمحة عن الرواية .. ملخص الرواية
ا============== 1-معمار الرواية
ا============= تتكون الرواية من فصول فصل اول: 14صفحة تليه نص 1رسالة 3صفحات ( تاريخ 15/7/2018) فصل ثاني17صفحة تليه نص 2رسالة 3صفحات ( تاريخ 16/7/2018) فصل ثالث 11صفحة تليه نص 3رسالة في صفحتين (لا تاريخ يوم/8/2018) فصل رابع 8صفحات تليه نص4رسالة صفحتان ( لا تاريخ اصلا) فصل خامس 13صفحة ونصف تليه نص 5رسالة صفحتان ( لا تاريخ اصلا) فصل سادس 7صفحات تليه نص 6رسالة 3صفحات ( لا تاريخ اصلا) فصل سابع 10صفحات تليه نص7رسالة 3صفحات ( لا تاريخ اصلا) فصل ثامن 6صفحات تليه نص 8 رسالة 3صفحات ( لا تاريخ اصلا) فصل تاسع 18صفحة تليه نص 9رسالة 3صفحات ( لا تاريخ اصلا) فصل عاشر 10صفحات تليه نص 10رسالة 3صفحات ( لا تاريخ اصلا) رسالة 11 في تسع صفحان دون تاريخ وامضاء وتختلف الرسالة الاخيرة بالنص 12انه رسالة في 5صفحات دون تاريخ وامضاء موجهة من الكلب الى القارئ انا وانت وانت ا====ملخص الفصول والرسائل المتناوبة
==== اولا الفصول
ا======= هذه رواية ثلاثة بنات مات ابوهن راجعا من عمل الحدادة.. مات عائل البيت بصاعقة.. فكفلهنّ عمهن تحت قبّة القدر والحاجة والفقر وصرن مع امهن( ڨمرة) خادمات لزوجة العم ثم عاملات (خماسة) بضيعة وبرج شيخ البلد الفلاح الكبير واستنسخت الروائية من تلك الشخصيات بشرا وحوشا وأناساي خُدّاماََ وأطفالا أبرياء . تتقدم الأحداث وأمها تتزوج عاملا وتترك بناتها للقهر من زوجة العم و عسف المجتمع . غالية البطلة تدخل السرد طفلة تتعلم وتدخل المدرسة وتعمل بالحقول والحصائد وتخرج منه عجوزا يحشرها الماضي ذاته في حاضرها المغبّش. وتتوالى الأحداث في هذه الرواية وتتناسل القصص كدمى الماتريوشكا وتشيخ الأحلام وتتزوج الأخت الكبرى لكن تحترق الاخت الصغرى في طاحونة العم.. فتلتجئ زوجة العم الى اخفاء جثة الصغرى.. وتذيع خبر هروبها مع احد المعمرين.. لتطمس جريمتها.. وعاشت غالية على أمل معرفة مصير أختها.. ا============
ا============ ثانيا ادب الترسل
ا=========== وبذكاء الكاتبة الروائية نلحظ انها جعلت من روايتها تجمع الى جانب القصة الأم السالفة الذكر قصة اخرى تختار لها ادب الترسّل تقنية .. ليقوم محقق صحفي وهو شيخ فقد عمله وابنه بالبحث في جريمة القتل تلك لأختها .. وبالرسائل فقط التي يبعثها لابنه الميت كل حين.. تدرجت الروائية للكشف وإماطة اللثام عن الحقيقة وراء إختفاء البنت الصغرى هكذا تجعل من تلك الحكاية الام ومن تلك الرسائل رواية شائقة، متشابكة الأحداث والمشاعر مركّبة الشخصيّات.. فيها صراعات، ظلم، فقدان، قهر، وضغائن وحروب. انها رواية بألف وجه وألف دمعة لا تفضّ بكارتها ابتسامة واحدة. وتتكشف الرؤية العامة للرواية
                                            ا========= الفكرة بالرواية: ا============
ان هذه الرواية تتميز بعنوانها ذي المظهر التركيبي وذي الحساسية العالية..على عبارة ميشيل فوكو أو مقولة إمبيرتو إيكو أو حساسية ميلان كونديرا.. ان المتن الروائي لا يُضحّي بالمضمون، حينما يلجأ إلى تشظية السرد وتحطيم نَسَقهِ الخطّي المتصاعد كالرواية التقليدية.. ولا يشعرنا البتة بهيمنة الشخصية الرئيسية التي تقود دفّة الأحداث. فثمة استحداث ل«بطولة جماعية» قوامها شخصية محورية «غالية» التي تحمل ظلال البطلة من ناحية المتن.. والبطل الثاني وهو الأب الصحفي الاستقصائي تلك الشخصية المركزية من خلال الهامش التراسلي التي تبدو أقرب إلى تفجير بواطن النفس لكنها ليست كذلك في واقع الحال، لأنّ البنية المعمارية لهذا النص السردي لا تعوِّل على الرواية كجنس أدبي وإنما تتعداه إلى انفتاح الرواية على الأنواع كالمسرح والسينما، وفن الرقص والموسيقى.. والانتربولوجيا والتاريخ والجغرافياخاصة في شقه السردي. اما في شقها التراسلي..فإن هذه الرواية جمعت رسائل شتى انفتحت على الأجناس الأدبية فهي وإن تقتضي مرسلا ومستقبلا ونصا يحمل عنفوان المرسل وخطابه الجامح، فإن هذه الرسائل اشتركت في أنها تمثل تصعيدا واضحا للرؤية وكشفا عن حالة وجدانية انتظمت بين أن تكون الرسالة بأدب الاعتراف وادب الترسل وأدب المذكرات والسيرة الذاتية.. لمسنا بمجمل الرواية تشظية للسرد وتفتيتا للزمن اللذان لم يؤثرا على النسق السردي العام للرواية، ولعل القارئ يشعر بتماسك البنية المعمارية لهذه الرواية التي جاءت بشيء جديد على صعيد الشكل وبعض المضامين التي لامست الألم النسوي.. في سياق جدلي رائع، من حيث لغة الحوار وأسلوب التصوير، تبني الروائية البحث عن الحقيقة على نصين كالقطار على سكتي الحديد المتوازيتين.. نجد بالرواية تقنية التضمين هناك الحكاية الام سردا متراتبا خطيا .. تتخلله ما عبرت عنه بحكاية مضمنة بالحاشية الترسلية اثر كل نهاية فصل هناك رسالة تستعمل تقنية الاستباق او القفز للامام.. فكرة الرواية تدور في مداراتها العامة حول طفلة ريفية ( غالية ) تحكي عن حيواتها وعلاقاتها مع الحياة والأهل والفقر والتعليم وأسياد الفلاحين ، في قالب حكواتي دقيق الملامح في التسجيل والرصد.. الرواية كتبت بأسلوب شائق رصين وسرد متسق في سياق أحداث اطرادية تنمو شيئا فشيئا وكل مرة يكتمل جزء من الصورة العامة وتنكشف بعض الأسرار وتحل بعض العقد في اتجاه لملمة الأجزاء لتعطينا صورة كاملة واضحة المعالم لتجيب عن كل صغيرة وكبيرة وتكشف عن أي مقطع أو مشهد حيث لا عبثية في السرد ولا حشو في الحكي ولا زيادة ولا غلو في الوقوف عند كل حدث أو شخصية. لكن الفكرة في شكلها الأضيق ، هي فكرة الاستغلال والحيف الاجتماعي والتلميع الخارجي للظلم ، سقوط القيم بالمجتمعات اعتبارا للكائنات طبقاتٍ ، زيف القوانين الحمقاء المصنوعة اجتماعيا بشكل لا يسمح للأنثى بالخروج عليها ، انحدار القيم الانسانية وبروز قيم تافهة وبسيطة خلقتها المادة ، زيف الكائن الذي يعيش خارج أطر مجتمعه وربما خارج منظومة الكائن الإنساني، ليتحول لكائن يلهث وراء رغباته ومتعه فقط ، زيف الخيوط التي تحرك الدمى الباتريوشكا / الكائنات الورقية / الأحداث المزيفة التي لا تغير وجه التاريخ تسعى البطلة غالية إلى التحرر الانساني..على رأي اليوت الإنسانية لا تتحمل كثيرا من الوقع ، عليها ان تحرر من قيود الاستعباد واستغلال مالكي الارض وبالتالي التحرر من الماضي و ثقل الحاضر.. انها تعمل كما الحكّائين/الخياطين على نسج قميص السرد بإكتمال الفصل المعني من الرواية لتخلق ضرورة الرسالة المناسبة له كما اكمام القميص الطويلة، اذ تعمل على نسج الكُمّ الأيمن(مغزى الرسالة ) ثم تنتقل إلى الكم الأيسر( مغزى الرسالة التالية) ثم تجعل الكُمَّيْنِ يلتقيان في العنق (خالقة بذلك الخيط الرفيع الذي يجمع المتن بالحاشية) لتنزل بعملية النسج (السردي)في اطراد متناسق بخيوط مطرزة باللغة الفارهة وبألوان زاهية من الاستعارة والكناية والرمز إلى أن يصل إلى نهاية القميص (المتن الحكاية الام) في حلة جميلة بديعة لا عور فيها ولا عيب.
فأثناء قراءة رواية “غالية” يشعر القارئ حقيقة كأنه أمام عمل مشهدي كما فيلم سينمائي محبوك الصنعة، تبنى أحداثه بدقة المخرج والسيناريستي والسينوغرافي فلا عبثية بالأحداث والأزمنة والأمكنة انما تجد السرود ( بالمتن او الحاشية) بقدر ما هي مرتبطة بنسق طبيعي اطرادي منسجم، يغيب عنها الشطحة والعبث والاطراد.. فيه الطفرة والقفزة على الأحداث حين الاستعجال للوصول إلى النهايات، فكما أن الأحداث تأخذ وقتها الذي يكفيها لتكون أكثر إقناعا فإنها لا محالة تحقق ما هو مناط بعهدتها كانْ يصل القارى الى النتيجة التي كان يتوقع الوصول إليها، فلا يخيب ظنه أو يتفاجأ بعيدا عن استسهال المتلقي او استهانة بمقدراته وادراكاته.. عكس العديد من المخرجين الساعين الى الادهاش ومعاكسة الجمهور وبذل جهد للوصول إلى نهايات غير متوقعة مما يفسد على القارئ أو المشاهد متعة ربط الأحداث والتحقيق من مخرجاتها حين تبنى فرضيات ومدخلات عميقة.
 
                                     ا=========== تقنية الميتاترسل ا==========
تغوص الروائية في تفاصيل المتن الترسلي تارة تغوص في جَلْد الذّات تجريحا وطورا تطهيرا ، لكنه جلد موضوعي، فالذات الانسانية انسلخت عن حاضرها وماضيها، لمستقبلها .. فالاب ساكن(البرج) يعيش وسط ركام من الأبنية والعباد.. برج أجمل من تلك الاماكن بكثير، فالأبنية لا حياة لها، بل هي كالظلام والرميم، وهي أشد وحشة من القبور، تقدم الروائية زمنا غريبا حين تكون قبور الموتى أفضل من منازل الأحياء. وفي ذلك كله تنعطف الاحداث في الحاشية الترسلية، لتدخلنا الروائية بأسلوبها المتميز في فضاء الخيط الرابط بين المتن والحاشية، حيث يتداخل الواقع مع الخيال ضمن جدلية الرموز والتمثلات، فلئن كان السكان الخماسة يتقاسمون البئر والقرية والأكل والشرب ليبقوا أحياء مع الملاك.. فإنهم يتقاسمون الصمت والموت.. مع شخصية الأب.
ا==================== الترسل وتجربة التجديد السردي
ا==================== بنيت الرواية في مفاصل الحاشية الترسلية على التذكر حيث اوردت بالرسائل عدة الفاظ في عدة مترادفات أهمها (لعلك تتذكره ..نسيت ان اخبرك.. اعرف انك نسيت.. تذكرت .. اذكر .. ذاكرتي .. الذاكرة .. الذكريات .. ذكرى .. أتذكر .. ذكرني .. ذكرياتي) و التي تعتبر مجموعة من المقاطع الدالة على تجربة الشخصية وأحداث تختلقها للشخصية لتبطئة السرد وملامح لشخصيات تمر بالشخصية المركزية سواء زمنيا أو مكاني لتسريع المسرود وفي ذلك كله توظيف واع واعتناء من الروائية بكل تفاصيل شخصيتها من حيث ما تواجهه من صراعات و ما تحمله من أفكار و من أحلام..
ا=========== الترسل والتطهير
ا=========== و المتتبع للنص التراسلي داخل الرواية و تفاصيل خطوطها نلاحظ بأن فعل التذكر جاءت به الروائية كما لو كان عملا اروسطيا تطهيريا يسعى الى بناء ديناميكية الرواية و تشكيل زخرفها اللغوي و تشكلها الجمالي والبنائي على اعتبارها كتلة قائمة بذاتها تستجمع عناصرها الفنية من مثل الشخصيات و الأمكنة و الأزمنة و الأحداث التي تتأرجح بين العقدة و الذروة والانفراج فلا تخلو رسالة من الرسائل الإحدى عشرة من تحديد لتلك العناصر..
                         ا============= الترسل والاعتراف ا=============
و البطل الأب هنا يستعمل الذاكرة كفعل اعتراف.. ان استعادة الماضي لم يكن لتوثيق الحاضر او انتقاده وانما لتتعاطى مع المستقبل و الحاضر المعيش بوعي “فالذاكرة كبناء فاعلي تخزيني وذخائري لها مرجعيات تؤطر ها فالذاكرة الأدبية تفترض وجود البعدين الواقعي والافتراضي لكي تؤدي وظيفتها الفنية داخل السرد على وفق الوعي باللحظة الراهنة للحاضر وهذا الوعي يظل في حركته جاريا ولا تحدده أفكار تعسفية عن الزمن” (1). الاب حين التداعي الحر يقدم رموزا بين طيات الرسالة تشتغل على دلالات المكان و أغوار الشخصية وافكارها الداخلية او الخارجية بغية تحريك روح القارئ تجاه البواطن النفسية للمسرود على حد قول عبد الملك مرتاض حين تعريفه للشخصية في البنية الصرفية والماهية، “الشخصية كائن حي ينهض في العمل السردي بوظيفة الشخص دون أن يكونه، و حينئذ تجمع الشخصية جمعا قياسيا على الشخصيات لا على الشخوص الذي هو جمع شخص، و يختلف الشخص عن الشخصية بأنه الإنسان لا صورته التي تمثلها الشخصية في الأعمال السردية” (2). ولقد عمدت الروائية الى استعمال ادب التراسل فلجات الى تقنية الاستباق حينا والى تقنية الارتداد و الاسترجاع وتبطئة السرد والآنية كي توجد ذلك التنوع الأسلوبي الجمالي لتكسير رتابة الزمن “فهذه المفارقات تتيح للروائي إمكانية و احتمالات متعددة في ترتيب الأحداث، و تحقيق غايات جمالية، و تستجيب للاختيارات الفنية” (3). هكذا كان للذاكرة دور المحرك في جلّ أحداث الرواية إذ تتوالى الأحداث السردية لتحكي عن الماضي و عن الطفولة، مما أوجد بالرسالة تخييلا مخصوصا قام على الذاكرة و التذكر لتفجير خطيئة الماضي واصلاحها.
ا===================== ثانيا مبحث الدرس النقدي للرواية ا===================== (1)إشكالية معنى المعنى والهيتروكلوسيا
ا============================ لا تكمن مشكلة النص في تاريخيته فحسب بتقدير النقاد وانما في تلك الطبيعته الحوارية ايضاً Dialogic Nature أو ما يسمّيها الناقد الروسي ميخائيل باختين هيتروكلوسيا Heteroglossia – طبيعة تعدد الاصوات (فينسنت 1090). ان اي نص يستعصي على قارئه مؤولا او محللا تحت معنى المعنى ما لم ينتبه إلى الحوار النائم في ثناياه وما لم يتعرف على مجموعة الاصوات التي تشكل معناه. ان النص، مهما كان زمانه ومكانه، ما هو الا حوار معقد يطلق صيحته سواء اكان صراخا او همسا ظاهرا او خفيا.. سواء أكان صوتاً مؤيداً أو صوتا رافضاً لظاهرة إجتماعية معينة. أنما النص ياخذ نَصِيَّته من التنوع فهو متعدد الأصوات ينقل لنا حواراً حول ظاهرة ما. ان النص الذي لا يكون به التعدد يولد ميتا من فراغ .. فما من شك ان هناك بالمخفي والمنسي والمتخيل رؤية ما.. قد تؤيده او تعارضه او فكرة موجودة في المجتمع سلفاً. هذا هو بإختصار معنى الهيتروكلوسيا حسب وصف باختين. وهو ما يصطلح عليه النقاد بالطبيعة الحوارية للنص “البوليفونية” تحديدا او تداخل الاصوات.. ا=================== 2- البراديغم التوليفي التناصي ا==================
رواية ” غالية ” نص حمال للمعاني بما يحمله من طرافة وجدة وإضافة، نص تتناسل فيه الحكاية وتتراكب من خلال تلك المرجعيات الثقافية والقرائية والمنابع الفكرية والجمالية التي تستنسجُها الروائية هند الزيادي من ثقافتها، ومن تناسلٍ تثاقفي مع نصوص أخرى من الروايات العربية والعالمية ، نص كالقلادة من خرز النص وفصوص الأحداث تنتظم على شكل مخصوص بها.. وهو الذي نعبر عنه بالبراديغم تلك الثوابت المخصوصة والبنى الحكائية للكاتب والتقنيات السردية والموتيفات والاستراتيجيات المتواترة والتي تُميِّزُ الروائية هند الزيادي، عن باقي ما يكتب من فكر وأبداع نسوي.
             ا=================== 3-العتبات.. العنوان ا===================
بدءا من العنوان، ” غالية او الرجل الذي سكن برج مع الماتريوشكا ” تؤكد من خلاله الكاتبة شغفها بنحت هويات إسمية فارقة لعتبات نصوصها، لا تقل بحال من الاحوال إبداعية ولا إدهاشا عن عوالمها المتخيلة، يستوقفنا هذا النزوع في تجريب سجل حكائي وسردي مختلف، تؤشر عليه الصيغة الأليغورية لهذا العنوان.. الصيغ الالغورية التناصية مع الروايات العالمية بريد الليل ا========الروائية اللبنانية هدى بركات===== حائزة على جائزة البوكر عام 2019 كما استعملت الروائية هند الزيادي الرسائل للإفراج عن تلك المكبوتات والغرائز والاعترافات التي جاءت على لسان الأب الصحفي و ما لمسناه في الرسائل الخمسة الخالية من الأسماء والعناوين والتاريخ ، بدا لنا انها تجاوزت رواية بريد الليل لهدى بركات اولا لأن هذه الاخيرة اعتمدت على الرسائل فحسب حتى ان بعض النقاد وصلوا على عدم اعتبارها رواية فكان ابداع الروائية هند الزيادي في هذا التجاوز من خلال هذا التنكير لأصحاب الرسائل حينا والمراوحة بين المذكرات والاعتراف وهو ما يفسر ان الروائية التونسية اعتمدت تنوعا بالرسائل فحينا فلسفية وحينا وجدانية وحينا اعترافية وحينا سيرية وحينا تعبر عن مدى الخيبة والخذلان التي تعيشها النفس الإنسانية .. حتى انك تخالها تخرج من رحم أدب الرسائل، ولكنها لا تحترم مرجعيات معروفة لهذا الأدب، بل تستعمل هذه التقنيّة “موتيفا” إن جاز التعبير لتحملها إلى مكان آخر ..
ا======== الرجل الذي يكره نفسه ا===========
وانت تقرأ هذه الرواية تجد نفسك بالمتن الروائي وهامشه تبحث عن الذات الساردة والبطل والكاتبة واكثر تقتفي اثر رواية ( الرجل الذي يكره نفسه) للروائي (حنا مينه) والذي تحدث حنا مينه فيه عن الذات /الرجل الذي يكره ذاته بصفته جهة الخير والطرف الآخر هو الشر..
ا============ الرجل الذي لا يمكن تحريكه ا======= مذكرات أنطوان شيلون====== رواية غالية تتفق حين الحديث بتفاصيل الرواية عن مواجهة اقدار غالية البطلة او الاقدار التي تسوق الصحفي للبحث في جريمة اختفاء اختها كما لو انك تقرا تفاصيل رواية الرجل الذي لا يمكن تحريكه وهي أول كتاب من سلسلة ” مذكرات أنطوان شيلون “تلك الرواية التي تلخص النظرة الوجودية للعالم البشري في جانبها النفسي للكيان البشري الغامض، فكرة أن القدر أصعب من أن يستوعبه العقل البشري وإن هو قدر له ان يعيش كثيرا لالف حياة.. ا==================== رواية “الرجل الذي رأى كل شيء” لـ ديبورا ليفي.. ا===================== بنت الروائية هند الزيادي الاماكن بالرواية على تعدد زوايا النظر واختلاف الامكنة والأزمنة كما لو كانت تبحث عن كاميرا لتحديث مشاهد سرودها وتحتفي بسينوغرافيا الركح كما يحتفي كتاب “الرجل الذي رأى كل شيء” بكيفية رؤيتنا – أو فشلنا في رؤية – أنفسنا والآخرين، وكيفية “رؤيتنا” للماضي بجانب – أو بالأحرى ضمن- حاضرنا..
ا=========== رواية الرجل الذي كان يحب الكلاب ا========== ليوناردو بادورا======== لئن كانت رواية الرجل الذي كان يحب الكلاب – ليوناردو بادورا تعود بذاكرة إيبان، صاحب العيادة البيطرية البسيطة في هافانا، إلى فصل من فصول حياته وقع له عام 1977 حين تعرّف إلى رجل غامض رآه يتنزّه عند شاطئ البحر برفقة كلبي صيد روسيين. جرت عدة لقاءات بينه وبين ذلك الرجل، الذي كان مطّلعاً على تفاصيل دقيقة عن رامون ميركادير، قاتل تروتسكي، كشف له فيها النقاب عن أسرار فريدة محورها شخصية القاتل. أعاد إيبان، بفضل تلك الاعترافات، بناء الخطوط التي سارت عليها حياة لييف دافيدوفيتش برونشتاين، أو تروتسكي». فإن هند الزيادي استعملت تلك الرسائل المذكرات للنبش عن مؤيدات تدين قاتلة (غزيّل) اخت غالية ولكن هذه المرة بحضور الكلب الذي ظل يصاحب الاب الصحفي للمقبرة ..وكان السبب الوحيد في انشاء حفر ة ليستحم بها الكلب وكان المكان قبر الاخت تسنيم.. وموطن اكتشاف الجثة.. ولعل ما يميز رواية غالية عن رواية ليوانردو بادورا انها بالرسالة الأخيرة ..جعلت الكلب هو من يكتب رسالة للقراء وللمتلقين .. أقول هنا وبكل تجرد قد حققت الروائية هند الزيادي هنا دهشة القارئ لهذا حققت تميزا ابداعيا باهرا وخدعة سردية فائقة الذكاء.. ا======== رواية “الرجل الذى باع العالم” ا========الكاتب التركي ألبير چانيجوز===== انبنت الرواية (غالية ) في موضوعها على كدح الانسان وراء الحقيقة متسبهة بما ورد برواية لكاتب التركي ألبير چانيجوز.. تلك الرواية التي تحكي قصة الصراع الابدي بالوجود ومواجهة الشر ، ان رواية غالية تتماهى معها في احداث صراع مع الحياة والظروف الصعبة والغريبة، لمواجهة متاعب الحياة الانسانية .. ا======== رواية الرجل الذي مات مرتين ا============جورج أمادو======== ان ما عبرت عنه رواية غالية من ذهول البطلة امام موت اختها وما احدثه موت الاخت من تفجير لحدود العالم بالصفحات 143 و144و145 هو نفسه ذلك التيه الذي عبرت عنه رواية جورج امادو خاصة في المقطع الاستهلالي للرواية (رواية الرجل الذي مات مرتين ) حين يموت بطل القصة يبدأ الذهول عند أصدقائه وعشيقته, ويتحول ذلك الذهول الى ألفة واستمرارية في مغامراتهم وكأنما الأمور طبيعية, يتضعضع العالم أمامهم ويتحول ذلك العشق الحارق الى سعير في الحانات والشوارع ويتبادلون النخب, فانتازيا مخيفة ملفعة بعظمة شفافية التعامل مع المجهول, وتفجير حدود العالم.. ا========== الرجل ذو البدلة البنية The Man in the Brown Suit،
ا=====
رواية تحقيق من تأليف أغاثا كريستي
==== تتفق مع رواية غالية في البحث عن القاتل.. اذ اسندت المهمة للأب الصحفي سواء في ولوج الأمكنة والبحث عن الوثائق والأدلة خاصة أن رواية غالية لهند الزيادي تجعل من المكان البرج/القلعة.. الوثائق التي قدمتها غالية للصحفي… أدوات للتحقيق فإن الروائية أغاثا كريستي أوردت صفحات جمة لتصل بالقارئ الى حين أن تنتقل البطلة آن بيدنغفيلد، ابنة عالم الآثار المشهور البروفيسور بيدنغفليد، وتتواجد في محطة قطار الأنفاق، امام رجل يتهاوى ويسقط. و يتقدم رجل آخر يقول أنه طبيب، ويقوم بفحصه ويقول أنه ميت، ثم يغادر بسرعة. عندها فقط يبدا تقرير التحقيق .. بينما في غالية هناك تقنية خدعية جعلت الأمر يتم بسلاسة سردية فائقة .. تبعد الرواية عن أن تكون رواية بوليسية او بأدب الجريمة على اختلاف الجنسين. بتقديري.. ا======== رجل اسمه اوفي ا====== للروائي الكندي فريدريك باكمان===== جعلت الروائية في (غالية) رجل التحقيق السيخ صاحب الرسائل في موت اختها تتفق مع رواية (رجل اسمه اوفي) والتي تتمحور حول بطل طاعن في السن غاضب ومستاء، تتغير نظرته للحياة بعد موت زوجته كما الحال برواية غالية و انتقال جيران جدد بجواره وتفاعله معهم.. ا========== رواية رسائل من تحت الأرض أو الإنسان الصرصار ا======الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي=== ان ما شدني لهذه الرواية غالية احتفاؤها بالتراسل كما رواية رسائل من تحت الأرض أو الإنسان الصرصار للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي ، و هذه الرواية تحكي بالضبط عن موظف مدني متقاعد -كما هو الحال برواية غالية (رجل الرساىل ) – الذي يقرر الإنعزال عن العالم بعد أن كرهه الكثير من حوله ، و يقوم بإرسال العديد من الرسائل المزعجة لقراءه. ا======================
ا========================= 4-تموضع التقنيات السردية بالرواية ا========================= أ- القارئ عنصر في الخدعة السردية ا========================= والأجمل أن هذا الجزء من الخدعة في الرواية لا يكشف عن هذه الجثة المخبأة في نهاية الرواية ، كخدعة روائية فنية بطفرة جافة ، ولكن لقد تلاعبت الروائية بسردها السلس بالاحداث مستعملة الاسترجاع والاستباق والانية وتبطئة السرد بالرسالة وبلغة حكواتية متمرسة كل المدى الزمني المختلف ، ان جعلت من ( فنية الفلاش باك ) ان ترفد حكايتين معا حكاية دارت بالخمسينات بالقرن الماضي واحداث آنية بعد الثورة التونسية ، فخلقت لهذه حيواتها الخاصة ولتلك حيواتها العامة ،ثم لتصل في الاخير الى نهاية فاجعتها الأخيرة حين اكتشاف الجثة والحيثيات للموت..
ا========================= ب- صوت الراوي المتعدد الضمائر ا========================= تتنوع الاصوات ويتعدد صوت الروائي تحديدا في (غالية) ، فبين صوت الراوي الحقيقي الذي يبرز للقارئ حينا ، بلا هوية ( ذكورية بالرسالة / أنثوية بالفصول الروائية ) ، مراوحا بين زمني (الماضي والمضارع) في حديثه عن غالية ، والام زينة ، وعم البشير ، راوٍ عارف تمام المعرفة بكل الشخصيات وانحياز تام لهم ،ففيما يظهر صوت ( غالية ) في الفصول الأولى والثانية والثالثة نجد صوت الاخت والعم بال ( المتن ) ، وصوت النفس الاعترافية في الجزء الثاني ( الهامش ) ويظهران كراويين ثانويين يراوحان صوت الراوي الأصلي ، ويعود تنوع صوت الراوي لتنوع أسلوب الراوية بين السرد والحوار.. كما لا ننسى صوت الكلب الراوي في رسالة الكلب للقراء ألاخيرة..
ا========
5- مآخذ على الرواية
ا======
مآخذ على الرواية قليلة ولكن لا بد من الاشارة اليها تتمثل اساسا ✓ بالتمدد اللفظي والوصفي والذي نعني به احتواء السرد على الفعل الناقص ( كان ) ببعض الفصول كما الفصل الاول مثلا حد الوصول الى 140 لفظ كان وهو ما يرهق السرد انظر الجملة السردية ص12 [هكذا كانت دوما.. وكان كل ما نقوم به يزعجها.. لاشيء يعجبها من اعمالنا التي كانت تامرنا بها .. هي لم تكن تفعل شيئا … اما نحن شك البنات كما كانت تسمينا فكنا خدما ] باربع اسطر ستة الفاظ كان ✓كما ان الروائية استغرقت بجمل طويلة وتداعيات متماهية حد الاغراق والايثال لا تضيف للسرد جمالا بقدر ما تشتت الفكرة وتعمل على قتل دهشة المتلقي وتواصله مع الحدث الرئيسي.. ✓ارتباك صوت الرواي في بعض المقاطع كما وقع عند تداخل صوت الراوي العام ، مع صوت الشخصية غالية في أكثر من موضع من هذا الجزء ، مما جعل القارئ يغوص في تهويمات كلامية لاطائل منها ، كأن الكاتبة كانت تريد حشد الرواية بأكبر قدر من الصراخ والذي نقدر انه يدفع بالمتلقي للملل من العمل كما لو كان يسجلب استعطافه انظر مثلا بالفصل العاشر ص 143 و145و146 في فصل متكون من عشر صفحات ثلثها للاستعطاف.. ✓ اغراء انفتاح الرواية على الاجناس والانواع الادبية وصل الانفتاح على الاجناس الادبية وبخاصة شعرية الرواية الى تضمين قد نراه يضر بالسرد نذكر قطع الحدث بالرسالة بالصفحة 150 خاصة مقطع كما قال حمزاتوف الشاعر التاغستاني .. ان هذا القصيد حتى وان تحدث عن الوقت جاء دون دواعي سردية
                              ا================ خاتمة ا==============
لىن نجحت الروائية هند الزيادي في ترويض ادب الرسائل للوصول الى انفتاح انواعي واجناسي للرواية على باقي الفنون .. ولئن لم يحض الادب العربي باهتمام النقاد بباب ادب التراسل وانما كان حديثا حول “أدب الرسائل”، فابتداء من “الشعلة الزرقاء” الذي يتضمن رسائل متبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، و”رسائل الأحزان” لمصطفى صادق الرافعي، و”زهرة العمر” لتوفيق الحكيم، و“كتابات نوبة الحراسة” للروائي المصري عبدالحكيم قاسم في رسائله السياسية والاجتماعية مرورا بما كتبه غسان كنفاني في وقت سابق. وكتاب “ورد ورماد” الذي تضمن رسائل مشتركة بين الروائيين محمد شكري ومحمد برادة. فضلا عن كتابات لم تكن تعنى بالرسائل الا بظاهرها وهو ما لمسناه من ضمنية او ما ورد في كتاب “الأيام” الذي ياخذ من الرسالة ذلك النوع الأدبي ما لمسناه في رسالة طه حسين إلى ابنه، أوالشاعر السوري أدونيس في “ها أنت أيها الوقت” حين خصص كل منهما فصولا من رسائله إلى أصدقائه خصوصا يوسف الخال، وأيضا جبرا إبراهيم جبرا في عدد وافر من نصوصه وأعماله يوظف أدب الرسائل. او ايضا ما لمسناه في كتاب “الرسائل- محمود درويش وسميح القاسم” والذي تضمن رسائل متبادلة بين الشاعرين.. لم نكد نلحظ رسائل تذكر.. وإنما هي أعمال قليلة في هذا النوع الأدبي تحاول ان تخلد اسما شاعر وشاعرة على الوجه الخارج عن صدق العاطفة.. فاننا لا نكاد نجد ادب اعتراف بالمعنى الذي نروم تاسيسه.. ولقد لمسنا طرفا بهذه الرواية تأسيسا وانبناء فكريا.. ا================
المراجع
ا========= 1- تيار الوعي في الرواية الحديثة، روبرت همفري، ترجمة د. محمود الربيعي، دار المعارف بمصر، طبعة ثانية، 1975 2- عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي، معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية (زقاق المدق)، ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر،ص125. 3- محمد بوعزة، تحليل النص السردي، تقنيات و مفاهيم، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، دار الأمان، الرباط، الطبعة1، 2010، ص88. ا4- Dubois(Jacques), Le roman policier ou la modernité, Ed. Nathan, Paris , 1992
إنهاء الدردشة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *