الإنفلونزا الإسبانية( الوباء الذي قتل أكثر من ضحايا الحربين العالميتين)

كتبت /عربي بوست

رغم أن إسبانيا بريئة منه فإنه سُمّي باسمها.. الإنفلونزا الإسبانية الوباء الذي قتل أكثر من ضحايا الحربين العالميتين
مع وصول أعداد الوفيات بسبب فيروس كورونا، حديث العهد، إلى أكثر من 1100 شخص تقريباً، يعتقد معظم الخبراء أن الفيروس المميت قد ينتشر ليصيب ما يقرب من ثلثي سكان العالم في حال أصبح عصياً على السيطرة عليه، وفق ما ذكرت صحيفة The Guardian البريطانية، ولكن هل هو أخطر الأمراض التي مرّت على البشرية؟ لا
فهناك فيروس قاتل اكتسح الكوكب في ربيع 1918 خلف وراءه مابين 50 إلى 100 مليون قتيل، إنه وباء الإنفلونزا الإسبانية.
وباء الإنفلونزا الإسبانية
وباء الإنفلونزا الإسبانية
ما هو وباء الإنفلونزا الإسبانية؟
كان فيروس الإنفلونزا H1N1 بمثابة واحدةٍ من أكثر الكوارث فتكاً في التاريخ. إذ قتل أكثر من 50 مليون شخص منذ أول حالةٍ مُسجلة في مارس/آذار عام 1918 وحتى آخر حالةٍ مُسجّلة في مارس/آذار عام 1920، رغم أن بعض الخبراء أشاروا إلى أن العدد الفعلي قد يُساوي ضعف ذلك الرقم بالفعل.
وقتلت الإنفلونزا الإسبانية أشخاصاً أكثر من الحرب العالمية الأولى، وربما أكثر من الحرب العالمية الثانية كذلك، وربما أكثر من الحربين معاً.
إذ ضرب الوباء العالم في مرحلةٍ حرِجة من عُمر فهمنا لتطوّر الأمراض المُعدية.
فخلال القرن الـ19 كانت الأوبئة تُعتبر غضباً من الله، وهي فكرةٌ يعود أصلها إلى العصور الوسطى.
إذ لُوحِظَت البكتيريا للمرة الأولى في القرن الـ17، لكنّها لم ترتبط في فكرنا بالأمراض البشرية أول الأمر.
وفي أواخر خمسينيات القرن الـ19 ربط عالم الأحياء الفرنسي لويس باستور بين الكائنات الحية الدقيقة والأمراض، وبعد عقدين من الزمن طوّر عالم الأحياء الدقيقة الألماني روبرت كوخ المفاهيم المُعاصرة حول المرض المُعدي. وانتشرت “نظرية جرثومية المرض” على نطاقٍ واسع، لتحل ببطء محل الأفكار القاتلة.
أين نشأت الإنفلونزا الإسبانية؟
لا تُوجد طريقةٌ للتأكّد من منشأ الإنفلونزا الإسبانية، رغم الإشارة كثيراً إلى خنادق الحرب العالمية الأولى -حيث ساد سوء التطهير والأمراض- بوصفها مُتّهماً رئيسياً.
ولا شك أن الأوضاع القذرة التي انتشرت فيها الفئران أثّرت على أجهزة مناعة الجنود، ما جعلهم أكثر عُرضةً للمرض.
ويُعتَقدُ أن أول الحالات المُسجلة كانت داخل أحد الحصون العسكرية للولايات المتحدة، قبل أن ينتشر المرض بمُعدلات مُقلقة في أوروبا. ولكن الوباء حصل على اسم “الإنفلونزا الإسبانية” بسبب الحرب.
وضخّمت الرقابة في زمن الحرب من آثار الفيروس في إسبانيا. إذ فرضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا رقابةً على التقارير المُبكّرة وحظرتها، في حين كانت الصحف الإسبانية -بوصفها دولةً مُحايدة- حرةً في نقل كل التفاصيل الرهيبة عن الوباء.
وهذا جعل الأمر يبدو أكثر سوءاً بكثير هناك، لذا انتشر الاسم المؤسف مع المرض في كافة أنحاء العالم.
وبحلول القرن الـ20 أدى تطبيق نظرية جرثومية المرض، علاوةً على التطوّرات في الصحة العامة والتطهير، إلى تحقيق نجاحات ضد أمراض “الحشود” التي ضربت المجتمعات البشرية، خاصةً سكان المُدن الكبرى التي انتشرت في أعقاب الثورة الصناعية.
وطوال القرن الـ19 راح العديد من سكان الحضر ضحيةً لتلك الأمراض -الكوليرا والتيفوس والسل على سبيل المثال لا الحصر- لذا احتاجت تلك المُدن إلى تدفُّقٍ ثابت من القرويين الأصحاء في الريف للحفاظ على أعدادها. ولكنّها صارت في النهاية الآن مُكتفيةً ذاتياً.
وباء الإنفلونزا الإسبانية
وباء الإنفلونزا الإسبانية
لماذا سُمّيِت “الإنفلونزا الإسبانية”؟
حصلت الإنفلونزا الروسية على هذا الاسم بسبب الاعتقاد أنّ أصلها يرجع إلى بخارى في أوزبكستان (التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية حينها).
في حين أن الوباء الذي تفشّى بعد قرابة 30 عاماً سيظل يُعرف باسم الإنفلونزا الإسبانية، رغم أنه لم ينطلق من إسبانيا.
إذ اجتاح الفيروس العالم في ثلاث موجات بدأ في نصف الكرة الشمالي بموجةٍ خفيفة في ربيع عام 1918، وأعقبتها موجةٌ فتّاكة في الخريف التالي، ثم موجة انتقامية في الأشهر الأولى من عام 1919.
وسُجِّلت أولى الحالات رسمياً في مارس/آذار عام 1918 داخل معسكر فنستون في ولاية كانساس. وفي غضون ستة أسابيع، كان المرض قد وصل إلى خنادق الجبهة الغربية في فرنسا، لكن المرض لم يتفشّ في إسبانيا حتى حلول شهر مايو/أيار.
وكانت إسبانيا محايدةً في الحرب بعكس الولايات المتحدة وفرنسا، لذا لم تفرض رقابةً على صحافتها.
وبالتالي جرى نقل تقارير عن أول حالات الإصابة الإسبانية في الصُحف، لأن الملك ألفونسو الثالث عشر ورئيس الوزراء والعديد من وزرائه كانوا من بين أوائل تلك الحالات، لذا كانت محنة البلاد واضحةً للغاية.
واقتنع الناس في جميع أنحاء العالم بأن المرض انطلق من مدريد -وهو مفهومٌ خاطئ رسّخه دُعاة تلك الدول المُتحاربة التي كانت تعلم أنها أُصيبت بالمرض قبل إسبانيا. وكان من دواعي سرورهم أنّ يحمّلوا بلداً آخر المسؤولية، من أجل الحفاظ على معنويات شعوبهم المرتفعة. وبهذا عَلِق الاسم في الأذهان.
ومن المفهوم أنّ الإسبان تضرّروا بشدةٍ من هذا الافتراء: إذ كانوا يعلمون أنّهم لم يتسبّبوا في نشر المرض، واشتبهوا بشدة في أن يكون الفرنسيون هم من أرسلوا الإنفلونزا عبر الحدود، لكنّهم لم يستطيعوا التأكُّد.
وبحثوا طويلاً عن اسمٍ آخر للمرض، فوجدوا الإلهام في أوبريت عُرِضَ داخل مسرح زارزولا بالعاصمة -والذي كان بمثابة إعادة صياغة شهيرة لأسطورة دُنجوان مع لحنٍ جذّاب يُدعى “جندي نابولي The Soldier of Naples”. وبات المرض المُعدي يُعرف في إسبانيا باسم جندي نابولي.
ورغم أنّ الإنفلونزا الإسبانية لم تبدأ في إسبانيا، لكن هذا البلد عانى معه بشدة.
ففي أوائل القرن الـ20، كان يُنظر إلى الإنفلونزا بوصفها مرضاً ديمقراطياً، أي أنّ لا أحد بمنأى عن الإصابة به.
ولكن حتى في أوج تفشّي الوباء، لُوحِظَ أنّ المرض كان يضرب على نحوٍ غير عادل.
إذ كان يُفضّل فئاتٍ عمرية بعينها: صغار السن وكبار السن، إلى جانب الجماعة المتوسطة التي تتراوح أعمارها بين 20 و40 عاماً.
وكان يُفضّل الرجال على النساء، باستثناء النساء الحوامل التي كان يزداد خطر إصابتهم بالمرض تحديداً.
وكانت هذه الأنماط العمرية والجنسانية تتكرّر في كافة أنحاء العالم، لكن الفوعة التي ضربت بها الإنفلونزا كانت تختلف من مكانٍ لآخر.
كما أن احتمالية وفاة السكان بسبب الإنفلونزا في أجزاء مُعيّنة من آسيا أكبر بـ30 مرة من أقرانهم في أنحاء أوروبا.
وإجمالاً، عانت آسيا وإفريقيا من أعلى معدلات الوفاة، في حين شهدت أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا أقل معدلات الوفاة.
ولكن كان هناك تباينٌ كبيرٌ داخل القارات أيضاً. إذ شهدت الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى معدلات وفيات تُساوي ضعفين أو ثلاثة أضعاف معدلات الوفيات شمال الصحراء. في حين سجّلت إسبانيا واحدةً من أعلى معدلات الوفيات في أوروبا، بضعفي معدلات بريطانيا، وثلاثة أضعاف معدلات الدنمارك.
ما نوعية الأشخاص الذين أُصيبوا بالإنفلونزا الإسبانية؟
بدا أن الإنفلونزا تضرب بنوعٍ من العشوائية والقسوة في الوقت ذاته. وهذا لأن البالغين في مُقتبل العمر كانوا يموتون بأعداد كبيرة، وانهارت المجتمعات سيئة الحظ بالكامل.
كما تيتّم الأطفال، ورحل الآباء المُسنّون ليتدبّروا أمرهم. ووقع الناس في حيرةٍ من أمرهم لتفسير هذا اليانصيب الظاهري، مما تركهم في حالة انزعاجٍ عميقة.
وفي محاولةٍ لتفسير شعوره، كتب طبيبٌ فرنسي من مدينة ليون أنّ المرض يختلف تماماً عن “آلام الأمعاء” التي عايشها أثناء خدمته على الجبهة. وأوضح: “الأمر أشبه بقلقٍ عام، أو الشعور برعبٍ لا يُمكن تحديد ماهيته، وقد سيطر على سكان المدينة”.
وفي وقتٍ لاحق، بدأ علماء الأوبئة في التركيز على الأرقام، وحينها فقط ظهرت تلك الأنماط، وبدأت تتجلّى أولى عناصر تفسير الوباء. ويُمكن تفسير بعض التباينات بعدم المساواة في الثروة والطائفة، ولون البشرة، بالدرجة التي يعكس بها تلك العوامل.
كما أدّى النظام الغذائي السيئ وأوضاع المعيشة المُتكدّسة ومحدودية الحصول على الرعاية الصحية إلى إضعاف البنية الجسمانية، مما ترك الفقراء والمهاجرين والأقليات الإثنية أكثر عرضةً للعدوى. ووفقاً لتعبير المؤرخ الفرنسي باتريك زيلبرمان: “تعامل الفيروس بسلوكٍ شديد “الديمقراطية”، لكن المجتمع الذي هاجمه كان يفتقر بشدةٍ إلى المساواة”.
كان أيّ مرضٍ أساسي يجعل الشخص أكثر عرضةً للإصابة بالإنفلونزا الإسبانية، في حين كان التعرّض السابق للإنفلونزا العادية يُخفّف أعراض الحالة الشديدة.
المجتمعات النائية التي تفتقر إلى الخبرة التاريخية عانت بشدة مع المرض، كما كان الحال مع المدن التي أفلتت من الموجة الأولى للمرض، إذ لم تكُن “مستعدةً” مناعياً للموجة الثانية.
فمثلاً، استقبلت ريو دي جانيرو -عاصمة البرازيل آنذاك- موجةً واحدةً من الإنفلونزا في أكتوبر/تشرين الأول عام 1918، ولكنّ معدّل وفياتها كان أعلى بضعفين أو ثلاثة من المعدلات المسجلة في المُدن الأمريكية الشمالية التي استقبلت موجتي الربيع والخريف.
في حين أفلت خليج بريستول في ألاسكا من المرض حتى أوائل عام 1919، ولكن حين وصل الفيروس في النهاية؛ أودى بحياة 40% من شعب الإسكيمو في الخليج.
وباء الإنفلونزا الإسبانية
وباء الإنفلونزا الإسبانية
الحجر الصحي كان الحل الأنسب في تلك الفترة
أحدثت حملات الصحة العامة فارقاً رغم حقيقة أن الأطباء لم يفهموا سبب المرض. إذ اعتاد البشر ممارسة “التباعد الاجتماعي” أو “الحجر الصحي” منذ زمنٍ بعيد حين كانت العدوى تُمثّل تهديداً، وهذا ينبُع من إدراكٍ غريزي بأن الابتعاد عن الأفراد المُصابين يزيد فرص البقاء بصحةٍ جيدة.
وفي عام 1918، أخذ التباعد الاجتماعي شكل مناطق الحجر الصحي، وأجنحة العزل، وحظر التجمّعات الجماهيرية الذي فُرِضَ بالشكل الصحيح؛ ما أبطأ انتشار المرض. وتفادت أستراليا موجة الخريف بالكامل عن طريق تطبيق حجرٍ صحيٍ فعّال على موانيها، وأثبتت الاستثناءات أنّها القاعدة.
تفشي المرض ببلاد فارس بسبب الفقر وعدم تطبيق الحجر الصحي
في عام 1918، كانت بلاد فارس دولةً فقيرة بعد سنواتٍ من استخدامها أداةً في الصراع بين البريطانيين والروس من أجل السيطرة على المساحة الشاسعة بين بحري العرب وقزوين.
وكانت حكومتها ضعيفةً وشبه مُفلسة وتفتقر إلى البنية التحتية الصحية المتماسكة، لذا لم تُفرض تدابير التباعد الاجتماعي حين تفشّت الإنفلونزا في مدينة مشهد الشمالية المقدسة خلال أغسطس/آب من عام 1918.
وفي غضون أسبوعين، أُصيب كل منزلٍ ومكان عملٍ في مشهد، ومَرِضَ ثلثا سكان المدينة في ذلك الخريف.
وفي ظل غياب القيود على الحركة، انتشرت الإنفلونزا مع الحجاج والجنود والتجار، لتمتد إلى كافة أنحاء البلاد.
وبحلول الوقت الذي تعافت فيه فارس من الإنفلونزا، كانت قد فقدت نسبةً تتراوح بين 8% و22% من سكانها.
الهند كانت صاحبة النصيب الأكبر من ضحايا الوباء
تتجلّى العواقب الوخيمة لهذا المرض في الهند أكثر من غيرها إذ تبنّى مُستعمروها البريطانيون لفترةٍ طويلة وجهة النظر القائلة إن الهند غير صحيةٍ بطبيعتها.
لذا لم يستثمروا كثيراً في الرعاية الصحية للسكان الأصليين. وبالتالي مات قرابة 18 مليون هندي بسبب الوباء، وهو أكبر عدد ضحايا تكبّدته أيّ دولةٍ في العالم.
وكان لهذا الأمر رد فعلٍ عنيف. إذ أدّت الاستجابة البريطانية الضعيفة لانتشار الإنفلونزا إلى تأجيج الاستياء في أوساط حركة الاستقلال.
وبلغت التوتّرات ذروتها بتمرير قانون رولات أوائل عام 1919، والذي مدّد الأحكام العُرفية في البلاد. وأثار القانون موجة احتجاجاتٍ سلمية، تلاها إطلاق الجنود البريطانيين النار على الجماهير العُزّل في 13 أبريل/نيسان بمدينة أمريتسار، ليقتلوا المئات من الهنود، في مذبحةٍ حفّزت حركة الاستقلال.
الوباء أشعل ثورات في دول أخرى
كما أدّت الإنفلونزا الإسبانية إلى إثارة الانتفاضات في أماكن أخرى. إذ شهد خريف عام 1918 موجةً من الإضرابات العمالية والاحتجاجات المُناهضة للإمبريالية في كافة أنحاء العالم.
وكان الاستياء يتأجّج منذ وقتٍ يسبق اندلاع الثورات الروسية عام 1917، لكن الإنفلونزا أشعلت النيرات حين أدّت إلى تفاقم الوضع المُتردّي وتسليط الضوء على عدم المساواة.
لدرجة أن سويسرا ذات النظام الجيد تفادت بشق الأنفس حرباً أهلية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1918، بعد أنّ ألقت الجماعات اليسارية باللوم -عن ارتفاع أعداد وفيات الإنفلونزا داخل الجيش- على الحكومة والقيادة العسكرية.
دول اعتقدت أن الوباء من صنع الشياطين!
كانت هناك أجزاء أخرى في العالم لم يسمع بها الناس عن نظرية داروين أو جرثومية المرض، لذا اتّجه سكانها إلى التفسيرات المُجرّبة والمُختبرة. فالمناطق الريفية في الصين مثلاً كان الكثير من سكانها يعتقدون أنّ المرض أرسلته الشياطين والتنانين.
لذا انطلقوا في مسيرات حاملين مجسمات ملوك التنانين بالشوارع أملاً في استرضاء الأرواح الغاضبة. وتحدّث طبيبٌ تبشيري عن تنقُّله من منزلٍ لآخر في مقاطعة شانشي أوائل عام 1919 ليجد المقصات على عتبات أبوابهم، لدرء الشياطين “أو محاولة قصهم إلى نصفين”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *