غناء الهجينى …للكاتب والباحث الفلكلورى طه الهباهبه

غناء الهجيني

في كتاب (الغناء الشعبي) للباحث الفلكلوري والوزير الأسبق « طه الهباهبة « نقرأ عن غناء الهجيني ما يلي:
والهجيني هو لون من ألوان الغناء الشعبي, في لحظات الفرح, أو الكآبة الشديدة, أو في أي حالة إنسانية جياشة, إما ترويحاً عن النفس الحزينة أو تنفيساً عن الصدر المكروب, وربما لتصريف الطاقة الوجدانية اللاهبة أو الرغبة في الطموح والتطلع إلى المستقبل الأفضل, أو ربما غنى الإنسان لرجاء معين أو راح يغني لأنه سعيد بأمل تحقق, أو لأنه تألم لفقد شيء عزيز عليه, وهو بالتالي نشاط نفسي قد يكون ضرورياً لكل إنسان, ومن هنا يصبح لكل شعب من الشعوب غناء خاص به يختلف عن غناء بقية الشعوب والأمم الأخرى نتيجة لاختلاف الأمكنة وظروف الحياة ولهذا يمكن الزعم أن الغناء ولد مع مولد الشعر.
وقد حسم الدكتور طه حسين هذا الجدل عندما قال: القدماء والمحدثون يضطربون حين يريدون أن يتبينوا نشأة أوزان الشعر العربي, ولست أدري لم يأبون إلا أن يحددوا لهذه النشأة نظاماً ومقياساً.. أما المحدثون فقد تجنبوا هذا الغموض فاندفع بعضهم حتى زعم أن الشعر العربي إنما اشتقت أوزانه من حركات الإبل حين تقطع الصحراء.
والهجيني يلفظ: بفتح الألف وكسر اللام وتسكين الهاء وفتح الجيم, والهجن: من معاني الجمال (الإبل), والهجين والمهجن: يعني مختلط النسب والأصل, ويعود إلى اختلاط الألفاظ التراثية بالألفاظ العصرية في كل فترة.
والهجيني, أكثر انتشاراً بين العامة والخاصة من الناس, وهو معروف أكثر في البوادي والقرى المجاورة لها, وهو غناء يؤديه شخص واحد وقد يجيبه غير واحد من حفظة الأشعار, وقد ترافقه آلة موسيقية شهيرة في البيئة البدوية وهي (الربابة) في السهرات الليلية الجماعية في بيوت الشعر والمضارب.
ويرى الباحثون والدارسون لهذه الأنماط التراثية, أنه كلام موزون مقفى, وهو شعبي على وزن البحر المخلع البسيط ووزنه (مستفعلن, فاعلن, فعلن, مكرر) وإن كان يحمل في طياته ألفاظاً وكلمات عامية, كما يدخل التنوين بكثرة في لفظ بعض الحروف مثل:

يا ويل قلبي غدا قلبين
تفرقن كيف أنا اجمعهن
واحد يلقي طريق الزين
واحد ورا البيض يتبعهن

والهجيني عادة ما ينظم على شكل أبيات قصيرة تتراوح بين البيت الواحد والبيتين وهو الشكل المحبب لدى الشاعر والمغني والسامع, ولكن هذا لا يمنع أن يشطح الشاعر بخياله بعيداً فيسترسل بوصف عواطفه في قصيدة طويلة متكاملة, ولكن يعتقد جميع عشاق هذا اللون أن القصيدة كلما كانت قصيرة كلما كانت أكثر حفظاً وأكثر انتشاراً وذيوعاً بين الناس.
ويجمع الدارسون على أن هذا اللون الغنائي هو إنتاج بدوي محض, وذلك لارتباط البدوي بالبادية والسفر الطويل على ظهر سفينة الصحراء, وفي مثل تلك الأجواء كان لابد للمسافر من أن يرفع عقيرته بالغناء طرداً للملل والتعب والوحشة والإحساس الرهيب بالوحدة وبالذات في حالات الخوف التي تسيطر على المسافر لعدم اطمئنانه إلى إمكانية عودته سالماً, إضافة إلى الحنين للأهل والأحبة, ولتجديد نشاطه ونشاط راحلته لأن النجائب تطرب للغناء الجميل, وإن أحلاه ما يواكب مشيتها وإيقاعها الحركي.
ويوافق الدكتور هاني العمد ما قاله شفيق الكيالي: إن الإبل تتأثر بهذا الغناء تأثراً محسوساً فتصيبها نشوة واضحة قد تستغربها من حيوان أعجم, ويضيف الدكتور هاني بأن هذا الأثر ينطبق على كل حيوان أعجم يستخدمه الفلاح في ركوبه وهو ماض إلى أرضه منشداً ومغنياً.
ويعقد الباحث (نجيب القسوس) مقارنة طويلة بين لون الهجيني ولون (الشروقي) ينتهي إلى أن أبيات الهجيني لا تتجاوز العشرين بيتاً على أبعد تصور, وبأسلوب هين لين كهبوب النسيم العليل, كما ترق ألفاظه وتعذب معانيه حتى تكاد تسيل ماء نميراً لحلاوتها ونعومتها, ويمكن أن يغنى هذا اللون بمرافقة آلة موسيقية أو بدونها, ويتميز كذلك بأنه يؤدى من كلا الجنسين وعلى الأخص في الأوساط النسائية إذ يوجد نساء بدويات برعن في غنائه ويرددنه في الأعراس وأوقات العمل والحصيدة.
ويوضح كذلك الباحث «طه الهباهبة « على ان هذا التراث قد عاش ردحاً من الزمان في صدور حفظته ورواته وعشاقه, دون أن يجدوا من يسألهم عنه أو يطلب منهم أن يرووه في أي مناسبة اجتماعية, حتى ظهور وسائل الإعلام المختلفة (صحافة, إذاعة, تلفزيون) حيث قام بعض عشاق هذا التراث بالبحث عنه وتدوينه تدويناً عشوائياً في بداية الأمر, ثم ما لبث الأمر أن تطور إلى حملات منظمة للتدوين والحفظ.
وقال أيضاً : وقد كان لبرنامج « التراث الشعبي « الذي كنت أعده فترة طويلة مع الباحث المرحوم غازي المجالي الأثر الأكبر في عودة الناس إلى سماع هذا التراث والإقبال على تلك الوسائل من أجل تدوين ما في صدورهم قبل ان يندثر, كما كان لظهور الفنانة الأردنية الأولى (ميسون الصناع) والفنان (نجيب قسوس) و(جمال الشمايلة) الفضل الأكبر في الترويج لهذا الفن وتحبيبه للشعبين الأردني والعربي, ثم توالت البرامج التي وثقت الأعراس الأردنية المتنوعة والأغاني التراثية المتطورة على أصوات : الفنان توفيق النمري, وسلوى, وسميرة توفيق وجميل العاص, وعبده موسى. والأردنيون مازالوا يذكرون ميسون وهي تصدح:

يا رب يا جايب الغياب
وتجيب للدار راعيها
وتجيب خيي كحيل العين
لجروح قلبي يداويها
ومثلما كان الهجيني شائعاً في الأردن وتحديداً في جنوبه, فإنه كان شائعاً في السعودية وفلسطين في القرن التاسع عشر, وقد اختلط هذا التراث نتيجة للهجرات العربية المتتالية طلباً للماء والكلأ أو نتيجة لخصومات عائلية أو الحروب, والملاحظ أن هجرات تلك الأيام كانت تأخذ الشكل الأفقي, أي أهل الشمال يذهبون للشمال, والوسط مع الوسط والجنوب مع الجنوب, وقد لاحظت بصراحة خلال دراستي للتعابير الشعبية والحكايات أن لهجة أبناء بئر السبع وضفاف وادي عربة تشبه إلى حد التطابق لهجة أهل الطفيلة والشوبك والقويرة والجفر.
ويمكن القول بكل ثقة إن فارس هذا اللون الغنائي هو الأمير خالد السديري الذي تميزت قصائده برقة الألفاظ وعذوبة الأوزان, مع عاطفة جياشة قاربت من فحول الغزل العربي الفصيح.
………… بقلم: طــــــــــــــــــــــــــــه الهباهبه,

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *